الشيخ محمد هادي معرفة
452
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
نيسابور سنة ( 376 ه . ) ومات أبوه وهو صغير ، فاتّجهت به أُسرته نحو طلب العلم ، فبرع فيه حسبما دارت رحى العلم في ذلك العهد ، في الفقه والحديث والأدب والأصول والتفسير . وسار في درب الصوفيّة على يد أبي عليّ الحسن بن عليّ الدقّاق المتوفّى سنة ( 405 ه . ) « 1 » من كبار مشايخ الصوفيّة ذلك العهد ، وقد أشار عليه أن يحضر حلقات درس أبي بكر الطوسيّ ، وابن فورك ، والإسفرايينيّ . وفي أثناء ذلك كان يحضر مجلس أبي عليّ الدقّاق وكان قد زوّجه ابنته على كثرة أقاربها ، ولمّا توفّي تردّد إلى دروس عبد الرحمان السُلَميّ المتوفَّى سنة ( 412 ه . ) وعاشره « 2 » حتّى أصبح شيخ خراسان في الفقه والكلام ، مع تصدير في الحديث والوعظ والإرشاد . وتوفّي سنة ( 465 ه . ) بمدينة نيسابور . « 3 » وتفسيره هذا امتداد للتفسير الصوفيّ الباطنيّ ، معتمدا في أكثر الأحيان على تأويلات قد ينبو عنها ظاهر لفظ الآية الكريمة . لكنّه مع ذلك حاول أن يوفّق بين علوم الحقيقة - حسب مصطلحهم - وعلوم الشريعة ، قاصدا أن لا تعارض بينهما ، وأنّ أيّ كلام يناقض ذلك فهو خروج على كليهما ؛ إذ كلّ شريعة غير مؤيّدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكلّ حقيقة غير مقيّدة بالشريعة فغير محصول ، فالشريعة أن تعبده ، والحقيقة أن تشهده . كما جاء في الرسالة القشيريّة « 4 » . حاول في هذا التفسير أن يبرهن على أنّ كلّ صغيرة وكبيرة في علوم الصوفيّة ، فإنّ لها أصلًا من القرآن . ويتجلّى ذلك بصفة خاصّة حيثما ورد المصطلح الصوفيّ صريحا في النصّ القرآنيّ ، كالذكر والتوكّل والرضا ، والوليّ والولاية والحقّ ، والظاهر والباطن ، والقبض والبسط . فإنّك عند خلال قراءة التفسير لا تكاد تملك إلّا أن تحكم أنّ الصوفيّة قد استمدّوا أُصولهم وفروعهم من كتاب اللّه الكريم ، وأنّ علومهم ليست غريبة ولا مستوردة ، كما يحلو لكثير من الباحثين ، حين يرون التصوّف الإسلاميّ متأثّرا
--> ( 1 ) - . نفحات الأنس للجاميّ ، ص 291 . ( 2 ) - . سير أعلام النبلاء ، ج 18 ، ص 229 . ( 3 ) - . وفيات الأعيان ، ج 3 ، ص 206 . ( 4 ) - . الرسالة القشيريّة ، ص 46 ؛ راجع : تفسير القشيريّ المقدّمة ، ج 1 ، ص 18 .